الذكرى الخامسة

خمس سنوات مع صندوق درية النسوي

ردم فجوة التمويل والثقة، وبناء مؤسسة من المنطقة ولأجلها

خمس سنوات لا نقيسها بما أنجزناه فحسب، بل بما لمسناه عن كثب: الحركات النسوية في منطقتنا لا ينقصها الخيال، ولا المعرفة، ولا القدرة على الفعل. ما ينقصها هو أن تصلها الموارد بما يتناسب مع واقعها، وأن تُؤخذ رؤيتها للعالم على محمل الجد.

من هنا جاءت الحملة الخاصّة بالذكرى الخامسة على تأسيس صندوق درية النسوي التي تحمل عنوان «لنا في الخيال صمود». لم نرد الحملة مجرّد استعراضٍ للأرقام والإنجازات، بل وقفة أمام الأسئلة التي رافقت الصندوق منذ نشأته: من يملك حق تحديد الأولويات؟ ما الذي نعدّه أثرًا؟ كيف نبني الثقة من دون أن نتنازل عن المساءلة؟ وكيف نرافق الحركات من دون أن نديرها نيابة عنها؟

الحركات النسوية والكويرية في منطقتنا لا تبدأ من الصفر. وراء كل مساحة آمنة، وكل حملة، وكل شبكة دعم، وكل بحث، وكل استجابة طارئة، ذاكرة طويلة من العمل الجماعي. تحمل هذه الحركات معرفة نبتت من الأرض، ومن الخوف والنجاة، ومن محاولات تعثرت ثم نهضت وبدأت من جديد.

في صندوق درية النسوي لا نرى في الخيال هروبًا من الواقع، بل أداة لتفكيكه ومواجهته. في الخيال نسمّي الممكن قبل أن يسمح لنا العالم بتسميته، ونقرأ ما ينقصنا لا بوصفه دليل عجز، بل خريطة لما ينبغي أن نبنيه. ونحن خلال السنوات الخمس الماضية، لم نكتفِ بتخيّل النجاة، بل سعينا إلى توفير الشروط التي تجعل الاستدامة ممكنة.

أردنا خلال هذه الحملة الحديث عن أهمية إعادة التمويل إلى موقعه السياسي؛ فعملنا لم يقتصر يومًا على تحويل المال من جهة مانحة إلى جهة متلقية، بل كان سعيًا دائمًا إلى بناء شراكات قوامها الثقة وحقّ اتخاذ القرار.

كما أردنا التذكير بأن الأثر لا يُقاس بعدد المنح والأنشطة وحدها؛ فهو يبدأ أحيانًا من ثقة تراكمت بصمت، أو مساحة بقيت مفتوحة حين توقّف كل شيء من حولها، أو معرفة وصلت إلى من تحتاج إليها فعلاً، أو فريق استطاع أن يحمي نفسه ويواصل العمل رغم كل شيء.

عادت الحملة إلى الأسئلة التي رافقت عمل صندوق درية النسوي طوال خمس سنوات: كيف نجمع بين الثقة والمساءلة؟ كيف نبني مؤسسة تحمي الموارد وتضمن استمراريتها من دون أن تنفصل عن الحركات التي وُجدت لخدمتها؟ وكيف نغيّر لغة التمويل نفسها، لتنطلق من معرفة الحركات وواقعها، لا من قوالب صُمّمت بعيدًا عنها؟

ومع اختتام حملة الذكرى الخامسة، يستعد صندوق درية النسوي للخطوة التالية. ففي شهر آب/أغسطس، يطلق الصندوق دورة منح جديدة لمواصلة دعم الحركات والمجموعات النسوية في المنطقة، وتعزيز قدرتها على الاستمرار والاستجابة للأزمات، وبناء ما تتخيله لمستقبلها ومجتمعاتها.

كيف بدأت القصة؟

انطلقت تجربة صندوق درية النسوي من سؤال ظل ماثلاً في نقاشات النسويات في المنطقة لسنوات طويلة: لماذا يبقى التمويل المخصص للحركات النسوية شحيحًا، خصوصًا في منطقتنا، ولماذا يصل غالبًا محمّلاً بشروط لا تشبه واقع العمل ولا وتيرته؟

كان واضحًا أن المشكلة لا تكمن في حجم الأموال المتاحة، إذ إن الحركات النسوية والكويرية في المنطقة كانت بحاجة إلى آلية تمويل تفهم بجديّة طبيعة العمل في ظل النزاعات والاستبداد والاحتلال وتقلّص الحيّز المدني، وتدرك حجم المخاطر التي تواجهها المجموعات المسجَّلة وغير المسجَّلة.

في عام 2019، أطلقت مجموعة من الناشطات المصريات مشاورات حول الأبعاد السياسية والعملية لتأسيس صندوق نسوي إقليمي مستقل، استندت إلى دراسات استكشافية وتوصيات سابقة وتقييمات للسلامة والأمان. وتمحورت هذه المرحلة كلها حول سؤال شديد العملانية: كيف ننقل الموارد إلى الحركات من دون أن نعرّض الأشخاص والمجموعات التي يُفترض أن نخدمها للخطر؟

بعد سلسلة من الاجتماعات، تم إطلاق صندوق درية النسوي بصورة رسمية في 8 آذار/مارس 2021، وقد حمل اسم درية شفيق، الكاتبة والصحافية والناشطة المصرية التي أدّت دورًا محوريًا في حركة تحرير النساء في مصر خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.

منذ البداية، لم يقتصر الرهان على إنشاء جهة جديدة تكتفي بتوزيع المنح، بل تعدّاه لبناء مؤسسة تحرّك الموارد نحو الحركات، وتثق بمعرفتها، وتبقى مسؤولة تجاهها فلا تعاملها بفوقية.

أن نكون مؤسسة

قام جزء كبير من العمل النسوي في المنطقة، لسنوات طويلة، على أكتاف أفراد يعملن بموارد محدودة وضمن بنى مؤقتة تهتز مع كل أزمة أو استقالة أو انقطاع في التمويل. لذلك، لم تكن مأسسة صندوق درية النسوي انتقالاً من روح الحركة النسوية إلى منطق الإدارة، بل محاولة لحماية هذه الروح من أن تبقى رهينة أفراد أو ظروف عابرة.

أن يكون صندوق درية النسوي مؤسسة لا يعني أن يتحول إلى وسيط ينقل مطالب المانحين ويحوّلها إلى تعليمات للحركات. المؤسسة، كما يفهمها الصندوق، بنية تتحمل مسؤولية إدارة الموارد وحمايتها وتحريكها، وتبني أنظمة تضمن استمرار العمل، وتبقى في الوقت نفسه خاضعة للمساءلة أمام الحركات التي تأسست لخدمتها.

في المؤسسة، تتوزع المسؤولية على فريق بدل أن يحملها شخص واحد، وتبقى القدرة على اتخاذ القرار قائمة حتى حين يتغير من يتخذه. وتصبح هناك آليات واضحة لمراجعة الأخطاء، وحماية الأشخاص والمعلومات، والتعامل مع الشكاوى والتوترات، بدل ترك كل ذلك لاجتهادات اللحظة.

لم يكن هذا المسار سهلاً. واجه صندوق درية النسوي في سنواته الأولى أسئلة صعبة حول الحوكمة والمساءلة والثقة، فاضطر إلى مراجعة بنيته، وتطوير سياسات الحماية، وتعزيز مجلس إدارته، وإدخال العدالة التصالحية والرعاية في أنظمته، وبناء آليات أكثر تشاركية في منح التمويل واتخاذ القرار.

بعد مرور خمس سنوات، أصبح صندوق درية النسوي يدير موارده وفقًا لمعايير مالية واضحة، ولكنه لا يريد أن يؤدّي هذا الانضباط إلى وضع مسافة بينه وبين الحركات. يكمن التحدي في الجمع بين أمرين: مؤسسة قادرة على حماية الموارد والاستمرار، وقريبة في الوقت نفسه من واقع من يعملن وسط الأزمات. نشارك شريكاتنا في صياغة الأولويات، ونترك لهن مساحة تحديد ما تحتاجه مشاريعهن ومجتمعاتهن، خصوصًا حين تفرض الأزمات قرارات يستحيل تنبؤها.

فهذا هو معنى المأسسة: ضمانة ألا تُترك الحركات النسوية والكويرية وحدها كلما اشتدت الأزمة، وألا يبدأ العمل من الصفر كلما تغيّر شخص أو انتهت منحة.

زها 2025–2030

السنوات الخمس المقبلة

لا ينظر صندوق درية النسوي إلى السنوات الخمس المقبلة على أنّها امتدادٌ حتمي لما سبق. فالمنطقة تتغير، والأزمات تتداخل، والتمويل يتضاءل في حين تتزايد الحاجة إلى عمل الحركات النسوية والكويرية.

وُضعت رؤية «زها 2025–2030» لترسم مسار المرحلة المقبلة: تقوية الحركات والمنظومات الداعمة لها، تحسين القدرة على الاستعداد للأزمات والاستجابة لها والتعافي منها، بناء سرديات ومعرفة نابعة من واقع المنطقة، ترسيخ الرعاية الجماعية والسلامة والأمان، والعمل على تغيير الطريقة التي تتحرك بها الموارد.

مع اختتام حملة الذكرى الخامسة، يستعد صندوق درية النسوي لإطلاق دورة منح جديدة خلال شهر آب/أغسطس. وهي خطوة أخرى في مسار لم يبدأ من الصفر، ولا يكتفي بإدارة الممكن، بل يتساءل باستمرار: لماذا أصبح المتاح قليلاً ومحدودًا إلى هذه الدرجة؟ وما الذي يمكن أن نبنيه حين تصل الموارد إلى من يعرفن الميدان ويقدن التغيير فيه؟

اقرأوا المزيد عن زها

بصفتها رئيسة لمجلس الإدارة، تتحدث لينا أبو حبيب عن التحولات الصعبة في مشهد التمويل النسوي، وعن التوازن الدقيق بين الثقة والمساءلة. كما تتوقف عند الدور الذي يمكن أن يؤديه صندوق درية النسوي، أبعد من تقديم المنح.

مقابلة

«فخورة بدور صندوق درية النسوي القوي في ظل ظروف شديدة الصعوبة»

لينا أبو حبيب

رئيسة مجلس الإدارة، ومديرة معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة في الجامعة الأميركية في بيروت

لينا أبو حبيب
  1. ما الفجوة التي استطاع صندوق درية النسوي سدّها في مشهد التمويل الإقليمي خلال السنوات الخمس الماضية؟

    جاء صندوق درية النسوي في وقت لم تحظَ فيه منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، بكل تنوعها وتعقيداتها المتداخلة، باهتمام تمويلي خاص. فهي منطقة تمزّقها النزاعات، وتعاني أشكالاً مختلفة من الاستبداد، وترزح أجزاء منها تحت الاحتلال، فيما تتعرض أقليات إثنية وجنسية وجغرافية وغيرها للعنف والقمع والتمييز.

    أتاحت لنا السنوات الخمس الأولى من عمل الصندوق أن نتعرف إلى مجموعات ناشئة وملهمة من الناشطات والناشطين النسويين التقدميين، وأن ندعمها ونساندها كي تستمر. وكان العديد من هذه المجموعات يحصل على تمويل للمرة الأولى في تاريخه.

  2. ما التحديات أو الخيارات الصعبة التي يفرضها التمويل المرن والقائم على الثقة؟

    هذا سؤال بالغ الأهمية: كيف نصل إلى أفضل توازن ممكن بين التمويل المرن والقائم على الثقة من جهة، والمساءلة والشفافية من جهة أخرى؟

    أظهرت لنا تجربة السنوات الخمس الماضية أن هذا المسار لا يزال، إلى حد بعيد، غير محدّد الملامح، وأعتقد أننا تعلّمنا الكثير خلاله. فبناء علاقات الثقة عملية طويلة وتراكمية، تتطلب من الطرفين الانخراط بحسن نية، وعلى أساس متبادل من الثقة والشفافية.

    تتحدّث الجهات الحاصلة على منحنا عن مدى تقديرها للعلاقات التي تجمعها بفريق صندوق درية النسوي، وكيف ترى في المساحات التي يتيحها الصندوق مساحات مختلفة وتفاعلية وآمنة. بالطبع، تنشأ التوترات أحيانًا، وعلينا أن نتقبل أن بعض العلاقات قد لا يُكتب لها الاستمرار، ولا بأس في ذلك. لكنني، خلال هذه السنوات الخمس، رأيت علاقات تتطور وتنضج أكثر بكثير مما شهدت على التوترات.

  3. ما هي أبرز التغيّرات في البيئة المحيطة بالحركات النسوية منذ تأسيس صندوق درية النسوي؟

    تغيّرت منظومة التمويل بصورة جذرية، ولكن ليس إلى الأفضل. أُعيد توجيه التمويل نحو أجندات محافظة خطرة، بل قاتلة أحيانًا، في حين هيمنت القوى المناهضة للحقوق، الرسمية وغير الرسمية منها، على جزء واسع من الخطاب العام، وواصلت التنمّر على الحركات النسوية التقاطعية والتقدمية وترهيبها.

    خلّف هذا الأمر أثرًا مقلقًا في الحركات النسوية، ولم نشهد بعد كامل تداعيات هذا التحول. نحن نعيش أسوأ الأزمنة، وأنا فخورة برؤية صندوق درية النسوي يؤدي هذا الدور القوي في ظل ظروف شديدة الصعوبة.

  4. ماذا تعني الاستدامة الفعلية لصندوق درية النسوي خلال السنوات الخمس المقبلة؟

    الاستقرار المالي ضروري لضمان الاستمرارية، وللحفاظ على قدرتنا على مواصلة توجيه الموارد إلى الحركات النسوية في المنطقة. لكنه لا يشكّل سوى جانب واحد من الاستدامة الفعلية.

    أما الجوانب الأخرى، فتشمل الحفاظ على منظومة لإنتاج المعرفة النسوية تتمتع بانتشار واسع، ويجري تداولها والاستفادة منها، إلى جانب البقاء على صلة وثيقة بالحركات، والتنبّه إلى كيفية تطورها والأسباب التي تقف وراء هذا التطور.

  5. ما الأثر الذي تأملين أن يحقّقه صندوق درية النسوي، إلى جانب المنح التي يقدمها؟

    عسى أن يتمكن صندوق درية النسوي من التأثير في ديناميات العمل داخل الحركات النسوية في المنطقة، وتعزيز التقارب والعمل المشترك بينها، والإسهام في جعل المنظور والفكر النسويين جزءًا طبيعيًا من المجال العام، بما يتجاوز حدود الحركة نفسها.

تعود زينة عبد الخالق إلى الرهان الذي انطلق منه صندوق درية النسوي قبل خمس سنوات، وما تطلبه تحويل الفكرة إلى مؤسسة راسخة. وتتحدث عن الثقة كممارسة سياسية، وعن المستقبل الذي تسعى رؤية «زها 2025–2030» إلى بنائه.

مقابلة

«نحن هنا، متجذّرات، وباقيات»

زينة عبد الخالق

المديرة التنفيذية لصندوق درية النسوي

زينة عبد الخالق
  1. حين تنظرين إلى السنوات الخمس الأولى، ما الذي يمنحك أكبر شعور بالفخر؟

    قبل خمس سنوات، كان صندوق درية النسوي فكرة جريئة، ورهانًا نابعًا من قناعة جذرية بأن الحركات النسوية في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا تستحق ما هو أفضل.

    أما اليوم، فقد أصبح دارًا موثوقةً وقادرةً على الصمود، تضع الموارد في خدمة الحركات، بعدما وجّه أكثر من 4.3 ملايين دولار مباشرة إلى الناشطات والناشطين العاملين في الخطوط الأمامية في مختلف أنحاء منطقتنا.

    لكن ما يملؤني بالفخر، أكثر من الأرقام، هو أننا زعزعنا المسلّمات التي تحكم منظومة العمل الخيري. رسالة صندوق درية النسوي واضحة ولا يمكن تجاهلها: نحن هنا، متجذّرات في هذه المنطقة، وباقيات.

  2. كيف تتحول الثقة من مبدأ معلن إلى ممارسة يومية؟

    الثقة بالنسبة إلينا ليست كلمة رائجة، بل ممارسة سياسية يومية. ننطلق من حقيقة بسيطة: الحركات هي أدرى بحياتها وواقعها.

    لا يتمثّل دورنا في أن نعظ أو ندير أو نفرض الشروط، بل يملي علينا أن نذلّل العقبات، وأن نتيح الموارد المرنة والداعمة بسهولة ومن دون تعقيدات. تعني الثقة إعادة السلطة إلى حيث تنتمي، والوقوف إلى جانب الناشطات والناشطين من دون شروط، وإفساح المجال أمام تحررنا الجماعي.

  3. ما الذي اضطُررتِ إلى مراجعته في فهمك للعمل الخيري والتمويل؟

    كان عليّ أن أتخلى عن وهم أن العمل الخيري آمن أو قابل للتوقع أو منظّم. ففي منطقة تعيش اضطرابًا عميقًا، يصبح اليقين وهمًا.

    تكمن القوة الحقيقية في المرونة المطلقة، أي القدرة على التكيف وتغيير المسار في خضم الأزمات، من دون التنازل قيد أنملة عن قيمنا النسوية الأساسية. فالنجاح في وضع الموارد في خدمة الحركات لا يتحقق بالتمسك بمخططات إدارية جامدة، بل بالقدرة على التكيف، وسرعة الاستجابة، والالتزام التام تجاه الناشطات والناشطين العاملين في الخطوط الأمامية.

  4. ما القرار الذي بدا محفوفًا بالمخاطر، ثم أثبت أنه كان صائبًا؟

    كان ذلك قرار تمويل المجموعات غير المسجَّلة وغير الرسمية، العاملة في الخطوط الأمامية، بصورة مباشرة، في سياقات الأزمات الحادة مثل السودان وفلسطين ولبنان وسوريا.

    غالبًا ما تصف جهات التمويل التقليدية هذه المجموعات بأنها «عالية المخاطر» أو «شديدة التعقيد»، لذلك بدا تحدّي هذه القواعد البيروقراطية، وبناء آليات تمويل نسوية مرنة وجاهزة للاستجابة للطوارئ، مخاطرة كبيرة وخروجًا على الأعراف السائدة.

    لكنه أثبت أنه أفضل قرار اتخذناه؛ فهذه المجموعات نفسها هي الركيزة الأساسية لبقاء المجتمعات وقدرتها على الصمود والمقاومة حين تنهار الأنظمة الرسمية.

  5. لماذا يمثّل الخيال ممارسة سياسية ونسوية؟ وما الذي يمكن أن يصبح ممكنًا خلال السنوات الخمس المقبلة؟

    يزدهر القمع حين تُسلَب المجتمعات قدرتها على الحلم بما يتجاوز النجاة الآنية. لذلك يصبح الخيال فعلاً نسويًا جذريًا، لأنه يستعيد حقنا في صياغة العالم الذي نستحقه فعلاً. يمنحنا الخيال الحق في أن نحلم من دون طلب موافقة أحد، ويمنحنا البناء القدرة على تحويل تلك الأحلام إلى واقع ملموس.

    يبدو الحفاظ على استمرارية الحركات اليوم، في ظل الأزمات المتراكمة وتقلّص الحيّز المدني، عبئًا شديد الوطأة. لكن من خلال رؤيتنا «زها 2025–2030»، يمكن لما يبدو صعبًا اليوم أن يصبح واقع الغد، أي منظومة نسوية مترابطة وقادرة على الصمود في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، تسندها موارد مرنة وطويلة الأمد، وتمضي أطرافها معًا نحو مستقبل نسوي قوامه العدالة والحرية والفرح.

حين تصل الموارد إلى من يعرفن الميدان

لا يظهر أثر العمل النسوي دائمًا في الأرقام أو النتائج السريعة التي يسهل إدراجها في التقارير. فهو يبدأ أحيانًا من مساحة آمنة للكلام، أو معرفة تمنح امرأة ما قدرة أكبر على حماية نفسها، أو مهارة تتحوّل إلى مصدرٍ للدخل، أو شعور بأن صوتها مسموع وأنّها قادرة على إحداث فرق.

في ما يلي شهادات من مشاركات في عمل المنظمات الشريكة لصندوق درية النسوي.

لبنان

  • كانت هذه الجلسات أشبه بعلاج لنا. للمرة الأولى، استطعنا التحدث بحرية عما عشناه خلال الحرب.

    مستفيدة من عمل المنظمات الشريكةلبنان
  • تعلمت أن أجلس مع أطفالي، وأن أصغي إليهم وأمنحهم وقتًا أطول. وتعلمت أيضًا أن أخصص وقتًا لنفسي وأن أُقدّر قيمتي.

    مستفيدة من عمل المنظمات الشريكةلبنان
  • قبل هذا المشروع، لم أكن أعرف سوى أساسيات الخياطة. الآن أستطيع صنع منتجات وبيعها والمساهمة في دخل عائلتي.

    مستفيدة من عمل المنظمات الشريكةلبنان

سوريا

  • أول مرة بحسّ إنه صوتنا مهم، وإنه فينا نغيّر شي فعلي بالحي، مو بس نحكي.

    مستفيدة من عمل المنظمات الشريكةسوريا
  • هذه الورشة خطوة نحو ردم الفجوات في الوعي السياسي لدى النساء. علينا أن نعمل على خطط فاعلة لإيصال النساء إلى مواقع صنع القرار.

    مستفيدة من عمل المنظمات الشريكةسوريا
  • تكمن المشكلة في جهل النساء لما يتعرضن له خلال النزاعات، بالإضافة إلى جهلهن لحقوقهن.

    مستفيدة من عمل المنظمات الشريكةسوريا

السودان

  • هذا البرنامج مهم، خاصّةً لأنه يزوّد النساء بما يساعدهن على حماية أنفسهن من العنف، وتحليل واقعهن من منظور جندري، وإجراء بحوث عملية ونوعية تتناول قضايا عديدة في المجتمع السوداني.

    مستفيدة من عمل المنظمات الشريكةالسودان
  • يشكّل هذا البرنامج فرصة مهمة لكل امرأة وفتاة لتتعرف إلى حقها في التعبير الآمن، وتحمي نفسها من مختلف أشكال العنف الرقمي.

    مستفيدة من عمل المنظمات الشريكةالسودان

تونس

  • للمرة الأولى، شعرت بأن أفكاري مهمة، وبأنني أستطيع التحدث أمام الآخرين من دون خوف.

    مستفيدة من عمل المنظمات الشريكةتونس

المغرب

  • كانت هذه الموضوعات محاطة بالسرّية والعار. أما الآن فقد أصبح لدينا كتيب يتضمّن اللغة والحقائق المناسبة. استخدمته لأشرح بعض الأمور لأختي الصغرى. لم تعد هذه المعرفة تبدو عبئًا، بل هي قوة نستطيع أن نتقاسمها.

    مستفيدة من عمل المنظمات الشريكةالمغرب

لا تختصر هذه الشهادات الأثر الكامل لهذا العمل، لكنها تكشف ما يمكن أن تتيحه الموارد حين تصل إلى الحركات التي تعرف واقعها: مساحة للكلام، وأدوات للحماية، ومعرفة يمكن مشاركتها، وقدرة أكبر على العمل والاستمرار.

وراء المنح والاستراتيجيات

يبني فريق صندوق درية النسوي علاقات يومية قوامها الإصغاء والثقة والمرافقة. في هذه المقابلات، يتحدث أعضاء الفريق عن التجارب التي غيّرتهم، وما تعلموه من الحركات النسوية في المنطقة.

  • عليا

    المغرب

    ما دورك في صندوق درية النسوي، وكيف تصفين مساهمتك خلال السنوات الخمس الماضية؟

    أنا مسؤولة برامج لدى صندوق درية النسوي، وأرافق المنظمات النسوية في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لا يقتصر دوري على متابعة المنح أو دعم المنظمات في مراحل عملها المختلفة، بل أقوم أيضًا بالإصغاء إليها، والتعلم منها، وبناء علاقات أساسها الثقة.

    أتمنى أن أكون قد ساهمت في إنشاء مساحة تشعر فيها المنظمات بأنها ليست مجرد جهات تتلقى المنح، بل شريكات كاملات في العمل.

    ما أكثر ما تعتزّين به في هذه التجربة؟

    أكثر ما أعتز به ليس مشروعًا بحد ذاته، بل الأشخاص الذين أتيحت لي فرصة لقائهم والتعلم منهم. كوني مغربية، لم أتخيل أن يفتح لي هذا العمل بابًا على تجارب بهذا الثراء في المنطقة.

    تعلمت من نساء يعملن في مجال الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية، ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، والعدالة المناخية، والفنون المجتمعية، وتعاونيات الخياطة، والبحث النسوي، وغيرها من المجالات.

    قد تبدو هذه القضايا متباعدة للوهلة الأولى، ولكنها حين تجتمع ترسم صورة أوسع لقوة النساء وقدرتهن على التغيير. تحمل كل منظمة قطعة مختلفة من هذه الصورة، وقد وسّع كل لقاء فهمي للنسوية والتضامن، ولما يمكن أن يصنعه العمل الجماعي.

    ما الذي تأملين أن يحققه صندوق درية النسوي خلال السنوات الخمس المقبلة؟

    أتمنى أن يواصل صندوق درية النسوي الإيمان بالمنظمات النسوية قبل أن تلتفت إليها بقية العالم، وأن يستمر في بناء الروابط بين التجارب والحركات عبر الحدود.

    فعندما تنمو منظمة واحدة وتزدهر، لا يقتصر أثرها عليها وحدها، بل تشكّل مصدر إلهام لمنظمات أخرى وتفتح أمامها إمكانات جديدة. وحين تلتقي هذه الجهود وتتصل ببعضها، تصبح القوة التي تصنعها أكبر بكثير مما يمكن لأي منّا أن تحققه بمفردها.

  • سارة

    لبنان

    ما دورك في صندوق درية النسوي، وكيف تصفين مساهمتك خلال السنوات الخمس الماضية؟

    أنا منسّقة لوسائل التواصل الاجتماعي لدى صندوق درية النسوي. ساهمت في إيصال رسالة الصندوق إلى جمهور أوسع من خلال إنتاج محتوى رقمي جذّاب، وتعزيز حضوره على المنصات، ونقل قصص الجهات الشريكة وأثر عملها في مختلف أنحاء المنطقة.

    ما أكثر ما تعتزّين به في هذه التجربة؟

    أكثر ما أعتز به هو مساهمتي في جعل عمل صندوق درية النسوي أكثر حضورًا ووضوحًا، من خلال حملات وصلت إلى جمهور أوسع، وأظهرت قوة الحركات النسوية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقدرتها على الصمود، والأثر الذي تصنعه.

    ما الذي تأملين أن يحققه صندوق درية النسوي خلال السنوات الخمس المقبلة؟

    أتمنى أن يواصل صندوق درية النسوي توسيع حضوره، ودعم عدد أكبر من المبادرات النسوية، والمساهمة في إحداث تغيير طويل الأمد من خلال تقوية الحركات النسوية، وإتاحة مساحة أوسع للأصوات والتجارب المتنوعة في أنحاء المنطقة.

قراءات مفيدة لفهم تمويل الحركات النسوية

أين تذهب الموارد المخصصة للمساواة الجندرية؟ وكم يصل منها فعليًا إلى المنظمات والحركات النسوية؟ تقدم هذه الدراسات صورة أوضح عن حجم التمويل، والقنوات التي يمر عبرها، والعوائق التي تحد من وصوله إلى الحركات المحلية.

  1. تمويل التنمية من أجل المساواة الجندرية 2024

    منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)

    يحلل تقرير منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي التمويل الإنمائي الدولي المخصص للمساواة الجندرية، ويكشف أن التمويل الهادف إلى دعم فاعلية منظمات حقوق النساء وتأثيرها واستدامتها بقي دون واحد في المئة من إجمالي المساعدات المخصصة للمساواة الجندرية، وبقيمة تقارب نصف مليار دولار سنويًا.

    كما يشدد التقرير على أهمية التمويل المباشر والمرن والمتعدد السنوات، بما يعزز استقلالية المنظمات واستدامتها.

    تشكّل منظمات حقوق النساء والحركات النسوية جهات فاعلة أساسية لتحقيق تغيير تحويلي ومستدام لصالح المساواة الجندرية.

    اقرأوا التقرير
  2. تفكيك الفجوة بين الالتزامات العالمية وتمويل المنظمات النسائية في السياقات المتأثرة بالنزاعات

    هيئة الأمم المتحدة للمرأة

    يرصد تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة التمويل الذي يصل إلى المنظمات النسائية في البيئات الهشة والمتأثرة بالنزاعات، ويبين أن المشكلة لا تقتصر على ضآلة الموارد، بل تشمل أيضًا مرور جزء كبير منها عبر مؤسسات دولية ووسطاء بدلاً من وصوله مباشرة إلى المنظمات المحلية.

    في السياقات الهشة والمتأثرة بالنزاعات، لم تتجاوز المساعدة الإنمائية الرسمية الموجهة إلى المنظمات النسائية 0.4 في المئة من المساعدة الثنائية في هذه السياقات طوال العقد الماضي.

    اقرأوا التقرير
  3. أين تذهب الأموال؟ دعوة قائمة على الأدلة لتمويل التنظيم النسوي

    جمعية حقوق النساء في التنمية (AWID)

    يقدم تقرير AWID صورة من داخل الحركات النسوية نفسها عن واقع التمويل، والفوارق في قدرة المنظمات والمجموعات على الوصول إلى الموارد، والتحديات التي تواجه التنظيم النسوي في ظل تقلص التمويل وتصاعد الهجمات على الحقوق.

    لا تُظهر نتائجنا أي نمو فعلي في الموازنات السنوية منذ أكثر من عقد، ما يشير إلى سقف زجاجي مالي تعجز المنظمات عن كسره.

    اقرأوا التقرير
  4. الأزمة الصامتة التي تواجه الحركات النسوية

    الشبكة الدولية لصناديق النساء «بروسبيرا»

    ترصد دراسة شبكة «بروسبيرا» أثر موجة خفض التمويل على الصناديق والحركات النسوية، وتوضح أن دور الصناديق النسوية لا يقتصر على تحويل الموارد، بل يشمل توفير تمويل أساسي ومرن للحركات التي يصعب عليها الوصول إلى الجهات المانحة الكبرى.

    الصناديق النسائية والنسوية هي العمود الفقري المالي للحركات النسوية.

    اقرأوا التقرير